البقاء أجملُ أشكال الحب
Part2
ربما...
لم يكن الأمر يومًا عن الرجال.
ربما كنتُ، في كل مرةٍ أبحث فيها عن كتف،
أبحث عنك أنت.
يا أبي.
ثماني سنواتٍ مرّت،
ولا يزال جزءٌ مني
واقفًا عند الباب،
يحسبُ وقعَ خطواتٍ
لن تعود.
أعرف...
أن الموت ليس خيانة.
لكن الحزن
لا يفهم المنطق.
الحزن طفلٌ أعمى،
يظنُّ أن كلَّ غيابٍ
اختيار.
كبر الجميع.
أما أنا،
فما زالت بداخلي
تلك الطفلة
التي تنتظر أباها
أن يعود من عمله،
حاملًا السجائر ،
ورائحة القهوة،
وصوت الأمان.
لكنه لم يعد.
فتعلّمتُ أن أكون الحارس
والباب
والجدار.
تعلّمتُ أن أحمل أعباءً
لم تكن يومًا
على مقاس كتفي.
تعلّمتُ النجاة...
وربما
أتقنتها أكثر مما ينبغي.
أحيانًا،
أظن أن نوبات هلعي
ليست إلا جسدي
يتذكّر
اليوم الذي فهم فيه
أن بعض الناس
حين يرحلون...
لا يعودون أبدًا.
لم أعد أعرف
من أنا.
ولا ماذا أريد.
كل ما أعرفه،
أنني لم أطلب يومًا
حبًا صاخبًا.
ولا شغفًا يحرقني.
ولا سيطرةً
تسلبني نفسي.
كنت أبحث فقط
عن مكانٍ
لا أخاف فيه.
لكن كلما اقترب مني أحد،
هربت.
أتركه
قبل أن يتركني.
كأنني أعيد
تمثيل الفقد،
مرةً بعد أخرى.
وأكره نفسي،
لأنني صرتُ
النسخة التي كسرتني.
أشرب القهوة السوداء
طوال النهار.
كنتَ تحبها.
وأدخّن،
وأتساءل...
هل أتحوّل،
ببطءٍ لا أشعر به،
إلى ما تبقّى منك؟
أم أنني،
في الحقيقة،
أبحث عنك
داخل ملامحي؟
لعلّ هذا هو السبب
في أن الأماكن كلها
تبدو مؤقتة.
ولا مكان
يشبه البيت.
قالوا لي:
سيأتي رجل،
ويملأ هذا الفراغ.
وكانوا مخطئين.
فحين جاء الحب،
كنتُ قد أمضيتُ سنواتٍ
أدرّب نفسي
على أن أكون
رجل هذا البيت.
فكيف أسمح لأحد
أن يحميني،
بعد كل تلك السنوات
التي أقنعتُ فيها نفسي
أن لا أحد
سيفعل؟
لهذا...
أكتب إليك
في الليالي الثقيلة.
لأن الكتابة إليك
تشبه الدعاء.
وأرجو،
حيثما تكون،
أن تعرف
أنني لم أتوقف يومًا
عن احتياجك.
وإن كانت الأرواح
تسمع من بعيد...
فلا ترسل إليَّ
من ينقذني.
أرسل إليَّ
من يبقى.
فالبقاء،
يا أبي،
أجملُ أشكال الحب.
ولستُ ثملةً
وأنا أكتب هذا.
مع أنني،
أحيانًا،
أتمنى لو كنت.
كان سيكون أسهل
أن ألوم الكأس،
من أن أعترف
أن كل هذه الكلمات...
قالها
وعيٌ
مكسور.


